إخراج الحلم والعلاقة بين الرمز والمرموز إليه

تعد رموز الحلم أحد ميكانيزمات إخراج الحلم ، مثلها مثل الصور البصرية ، والتكثيف والإزاحة ، وإخراج الحلم يعمل على تحويل الأفكار الكامنة للحلم إلى المحتوى الظاهر البصري الذي يبدو عليه الحلم كما نرويه . وقد تناول فرويد رموز الحلم بالتأويل ، باعتبار أن الأحلام لها محتويين ظاهر وباطن ، وأن تفسير الحلم يتم من خلال التعرف على معنى الرموز والتداعي ، حيث أوضح فرويد أن الرمزية خاصة من خواص التفكير اللاشعوري ، وأنها إحدى خواص الأحلام كذلك ، فالحلم يستخدم الرموز من أجل تصوير أفكاره الكامنة تصويراً مقنعاً .

وفيما يتعلق برمزية الحلم فإن فرويد يرى أن الرمزية عامل مستقل يعمل على تحريف الْحُلم واستغلاقه على الفهم ، وأن الحالم يقدر على أن يعبر بأسلوب رمزي عبر الحلم ، حيث يستخدم عدداً كبيراً من الرموز التي لا يعرف الحالم معناها في أغلب الأحيان . وأن الأحلام لا تصطنع الرموز لأي شيء ولكل شيء ، بل لعناصر معينة من الأفكار الكامنة للْحُلم . أغلبها يتصل بالرغبات غير الأخلاقية المتعلقة بالجنس والعدوان . وحتى يمكن لهذه الرغبات أن تتحقق في الشعور عبر الحلم يجب عليها أن تتخفى عبر الرموز حتى يسمح لها بالهروب من قوى الكبت التي تفقد جزءاً من فاعليتها في أثناء النوم . فالحلم الذي يشتمل على رموز إنما يتضمن تحقيق متنكر لرغبة مكبوتة ، وهو في ذات الوقت حل وسط وتوفيق بين متطلبات ميل ممنوع والمقاومة التي تثيرها الرقابة النابعة من الأنا .

ونحن الآن نتساءل : هل ثمة علاقة بين الرمز والمرموز إليه ؟ وللإجابة على هذا التساؤل نقول : لقد تبين من دراسة رموز الأحلام أن هناك علاقة وطيدة بين الرمز والمرموز إليه ، وأن هذه العلاقة – في حدود علمنا – تكون على أوجه ثلاثة هي :
أولاً : علاقة تشابه بين الرمز والمرموز إليه :
ويمكن تصنيف علاقة التشابه بين الرمز والمرموز إليه إلى أربعة فئات رئيسية وهي :

( أ ) التشابه في النطق اللفظي بين الرمز والمرموز :

يرى ابن سيرين أن التأويل قد يكون من لفظ الاسم ، ويتم ذلك التأويل على أساس ظاهر اللفظ ، كرجل يسمى الفضل تتأوله أفضالاً ، ورجلاً يسمى راشداً تتأوله إرشاداً أو رشداً ، أو سالماً تتأوله السلامة ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : ( رأيت الليلة كأننا في دار عقبة بن رافع فأتينا برطب بن طاب ، فأولت أن الرفعة لنا في الدنيا والآخرة ، وأن ديننا قد طاب ، فأخذ من رافع الرفعة وأخذ طيب الدين من رطب بن طاب ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( إذا أشكل عليكم تعبير الرؤيا فعبروها بالأسماء ) .

ومن الملاحظ في كثير من الأحلام أن اللغة المنطوقة والمعبر عنها في الحلم عبر الرموز ، تشبه اللغة المنطوقة والمعبر عنها في الألفاظ التي نتفاعل بها في الواقع من حيث النطق الجرسي ، أقصد نطق اللفظ المعين ، وكأن هناك سجعاً بين الرمز في الحلم واللفظ المنطوق به في حياتنا اليقظة ، في حين أننا نجد أن المعنى وراء هذا اللفظ المنطوق يختلف في الحلم عنه في الواقع ، ونضرب مثال على ذلك بالحلم رقم ( 1 ) الذي ذكرناه آنفاً : وهو لطالبة جامعية مخطوبة لشاب تحبه حباً جماً ، ففي هذا الحلم ، نجد أن رؤية الفتاة بأن يدها مربوطة ( كرمز ) في الحلم ، إنما يعني أنها مربوطة بحبيبها ( مخطوبة له ) في الواقع ، وهذا يتفق مع ما يراه فرويد من أنه قد يكون من الواجب في أحيان جد كثيرة ألا يفسر الرمز الظاهر في محتوى الحلم بالمعنى الرمزي بل الحرفي ، ومن ثم فإن حضور الرموز في الحلم لا يسهل مهمة التفسير فحسب ، بل يزيدها أيضاً صعوبة .

(ب) علاقة التشابه في المعنى بين الرمز والمرموز إليه :

بالرغم من أن هناك رموزاً أخرى يمكن أن تؤدي المعنى ذاته ، إلا أن الرمز الذي ينتقيه إخراج الحلم يؤدي المعنى المطلوب بكل جوانبه وبحيث نستطيع أن نقول إن الرموز في الحلم هي بمثابة الكلمات من اللغة ، فبالرغم من وجود مترادفات عديدة ، إلا أن ثمة كلمة تؤدي المعنى ببلاغة أكثر ، أو تكون معبرة في مضمونها عن نواح لا يمكن لغيرها أن توصله للسامع .. وبالمثل فإن الرموز كذلك توصل معنى وليس كل رمز يمكن له أن يؤدي الجوانب المختلفة للمعنى .. ونضرب مثال لذلك بالحلم رقم ( 2 ) الذي ذكرناه آنفاً : وهو لمدرس ثانوي ، كان قد أقام علاقة عاطفية حديثة ببنت الجيران ، ففي هذا الحلم ، نجد أن الحالم دخل ( محل ) ليشتري شيئاً ما ، ورمز ( محل ) هنا تعبير عن ( المنزل ) ، وهذا ليس بغريب فنحن ندون عنوان المنزل تحت بند معروف هو ( محل الإقامة ) . وأنه وفقاً للتفكير اللاشعوي للحالم ، فإن المنزل به بضاعة تباع لمن يشتري كالمحل تماماً . وفي رأي شتيكل أن اليمين واليسار يحملان في الحلم معنى خلقياً ، فطريق اليمين تعني دائماً طريق الاستقامة ، أما طريق اليسار فتعني الجريمة . وهكذا قد يصور اليسار الجنسية المثلية أو الزنا بالمحارم أو الانحراف ، بينما يصور اليمين الزواج على سنة الله ورسوله .

)ج) علاقة التشابه في الوظيفة بين الرمز والمرموز :

يمكن أن تكون بين الرمز والمرموز إليه علاقة تشابه في الوظيفة التي يؤديها كلاهما .. من ذلك ما يشير إليه فرويد إلى أن الحلوى في الحلم إنما هي رمز للتلذذ الجنسي ، وأن ركوب الخيل رمز للعملية الجنسية . والمحراث ينفذ في الأرض كما ينفذ القضيب في الفرج ، وصعود السلالم يشبه تزايد الرغبة الجنسية .. وكذلك التشابه في القيمة يفسر لنا لماذا يمكن أحياناً أن نشبه أعضاء المرأة التناسلية بأنها كنوزها .. والتشابه في الكيف قد يجعلنا نحلم بالحيوانات كرموز للشهوة .

( د ) علاقة التشابه في الخصائص بين الرمز والمرموز :

حيث يرى فرويد أنه يُرْمز إلى القضيب بأشياء تشبهه في شكله مثل العصي والأشجار ، كما يرمز إليه بأشياء لها القدرة على ولوج الجسم مثل الخناجر ، والمسدسات ، كذلك يشار إليه بأشياء يتدفق منها الماء كالصنابير والأقلام .. أو بأشياء تشبهه في حركته والتوائه مثل الثعبان والأسماك ، أما الأعضاء التناسلية للمرأة فيرمز إليها بجميع الأشياء التي تشاركها من حيث وجود فجوة فيها ، كالتجاويف والقوارير والعلب وخاصة علب الحلي ، كما يرمز للثديين بفاكهة مستديرة الشكل ولذيذة كالتفاح ..الخ .

ثانياً : علاقة تضاد بين الرمز والمرموز إليه :

مثال ذلك أن نحلم بأننا نسير في زحام شديد فيكون الزحام رمزاً للوحدة التي نعيشها ، أو نحلم بأننا نموت والموت عكس الحياة ، أو أن نحلم بأننا مرتدون لثيابنا فتكون الثياب رمزاً للعكس وهو العرى ، ومبدأ التأويل بالضد قال به أيضاً ابن سيرين من قبل فرويد بنحو ألف سنة ، فالبكاء قد يرمز للفرح والضحك قد يرمز للحزن . ويرمز للعري بالملابس الرسمية . ويقول النابلسي في ذلك إنه قد يكون التأويل بالضد والمقلوب كقولهم في البكاء أنه فرح وفي الضحك أنه حزن ، وفي الطاعون أنه حرب ، وفي الحرب أنه طاعون ، وفي السيل أنه عدو وفي العدو أنه سيل ، وفي أكل التين أنه ندامة وفي الندامة أنها أكل تين ، وفي الجراد أنه جند وفي الجند أنه جراد …

ثالثاً : التعبير بالجزء ” الرمز ” للدلالة على الكل ” المرموز إليه ” :

قد يلجأ إخراج الحلم إلى التعبير بالجزء ، أو بخاصية مميزة للمرموز إليه ، ويظهرها في الحلم كبديل للمرموز إليه لتعبر عنه .. أي أن الرمز هنا قد يكون شيئاً يسيراً ، أو جزءاً من متعلقاته يدل به إخراج الحلم على الكل ، فمثلاً في الحلم رقم ( 2 ) نلاحظ أن إخراج الحلم قد عبر ” بالشبشب ” كرمز للفتاة ، أي أنه بدلاً من أن يرى الحالم نفسه يسرق فتاة الجيران من منزل أبيها ، فإنه قد رأى نفسه يسرق ” شبشب ” من محل خردوات ( وقد تم استخدام الشبشب كرمز للفتاه ، لأن هذه الفتاة عندما كانت تود لفت نظر هذا الشاب بوجودها في البلكونه فإنها تقوم بحك الشبشب بالبلاط فيحدث صوتاً منبهاً له فيعرف بوجودها في البلكونة – ورمزية سرقة الشبشب تمت بفعل الرقابة ، وبفعل مشاعر الذنب وتأنيب الضمير الذي يعانيه الحالم من جراء إقامة علاقة غير شرعية مع بنت الجيران ، ولذا قام بإرجاع ” الشبشب ” مرة أخرى ، وهو ما نجده في الواقع حيث أنهى هذا المدرس علاقته ببنت الجيران .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s