الرمزية في الأحلام بين الدلالة الجنسية والدلالة الاجتماعية

        يرى فرويد أن الغالبية  الساحقة من الرموز  في الأحلام رموز  جنسية ، وأن  الرموز على كثرتها  وتنوعها  ترمز غالباً  للأعضاء التناسلية  للذكر  والأنثى ،  فكل  ما هو مستطيل ومدبب رمز للقضيب ، وكل ما هو  دائري ومجوف رمز للمهبل . كما يرى  فرويد  أن  الرمزية  ليست وقفاً  على الأحلام  وحدها ،  بل توجد كذلك  في الأساطير والخرافات ، وفي  الأقوال  والأغاني  الشعبية ،  وفي اللغة الدارجة  وأخيلة الشعراء  ،  غير أن الرمزية في  هذه  الميادين سابقة  الذكر لا تنحصر في دائرة  الموضوعات الجنسية  وحدها  في حين أنها  في الأحلام  تكاد تكون  مقصورة على الرموز والصلات الجنسية . وقول  فرويد  بأن رموز  الْحُلم  أغلبها  رموز جنسية  لهو  أمر  لا يتناقض مع قوله التالي بأن الرمزية في مواطن أخرى غير الْحُلم لا تنحصر في دائرة الموضوعات الجنسية .. لأن للرمز في الأحْلام وظيفة تختلف عن وظيفته في الميادين الأخرى ، فالْحُلم  المنطوي على رموز جاء كي يعبر عن رغبات لا أخلاقية ، ومنافية للتقاليد والقيم ، وهذه الرغبات تنطوي في معظمها على  إحباطات الإشباع الجنسي الذي يعانيه الراشد ، أو عن رغبات عدوانية  موجهة إلى الآخرين ، ومن ثم فإن الرموز  تمثل  مطية الرغبات – الجنسية والعدوانية المرفوضة من الذات أو المجتمع –  التي تقودها  نحو التحقق عبر محتوى الْحُلم الظاهر كحل وسط بين التحقيق والمنع ، حيث تم  التحقيق  عبر الرموز التي  يُخْفَى معناها عن الحالم  .

        وعندما  بدأ  فرويد  تحليل رموز الْحُلم ، كما سجل ذلك في كتابيه  ” تفسير الأحلام ” ،  و ” محاضرات تمهيدية  في التحليل النفسي ” ،  كان  يعرض  لأحلام  المرضى  ،  وخلال  علاجه  للحالات المرضية وأثناء قيامهم بالتداعي الحر ، كان  المرضى يذكرون أَحْلامهم ، فالتفت  فرويد  إليها  ووجدها  مليئة بالرموز ، فرأى أن هذه الرموز ترتبط  بمشكلاتهم .. ولما كان  فرويد  يرى أن المرضى  يقعون في المرض  لِتَثْبِيتهم على مراحل النمو النفسجنسي وخاصة  المرحلة الأوديبية ، فكان طبيعياً  إذن  أن يفسر الرموز  باعتبارها  ذات دلالات جنسية  تعبر عن  المكبوتات التي في اللاشعور . ومن ثم فإن قول  فرويد  بأن معظم الرموز في الأحلام  ذات طبيعة جنسية صحيح وفقاً له لأمرين هامين  : الأمر الأول : يتعلق ، كما سبق أن ذكرنا  ،  بكون الأحلام  التي تناولها  فرويد  بالتفسير في البداية كانت للمرضى النفسيين الذين وفقاً لنظرية التحليل النفسي وقعوا  في المرض  من جراء  الكبت للأمور الجنسية  ،  والتثبيت  أو العودة  إلى  مراحل النمو النفسجنسي الباكرة .  والأمر الثاني  : يتعلق  بنظرية  الحلم وعملها ،  فالرموز  الحلمية وفقاً  لفرويد  إنما هي  تحقيق  غير مباشر  لرغبات  مكبوتة  ” أغلبها جنسية ”  ،  وحتى  لا يتعرف عليها  الرقيب خلال النوم  فلابد  لها  أن تظهر  بخلاف شكلها ، من خلال الرموز ، عبر الإشارة والتلميح والاستعارة  والصور ، حتى يتاح للنوم  أن يستمر .

         وقد تعرض فرويد للكثير من الانتقادات بسبب  ما قاله عن الرمزية الجنسية في الأحلام ، على اعتبار أنه قد حصر أغلب الرغبات المكبوتة  في دائرة الرغبات الجنسية ،  وأن في هذا الرأي شيء  من المبالغة ، إذ أن  المخيلة وبالتالي الأحلام  تنم عادة عن طابع  الشخصية  بأكملها ، ومن  الخطأ حصر جميع دوافع الشخصية  في دائرة  واحدة  .  فثمة رغبات أخرى قد  تتخذ  من الحلم  سبيلاً  وهمياً  لإرضائها ، لأنها  لا تجد في عالم  الواقع  ما يرضيها  مباشرة ،  وقد  تنبهت الحكمة الشعبية إلى هذه  الحقيقة حين تقول مثلاً إن  الجائع  يحلم بسوق العيش  .

        غير أنه من الإنصاف أن  نذكر أن  فرويد  بعد أن  عمم  ما هو  جنسي على كل المحتوى الظاهر ، وفقاً  لأحلام المرضى التي  أخضعها للدراسة ،  تراجع  عن ذلك  بعد  دراسته  لأحلام الأطفال والأسوياء  ،  حيث  اتضح له  أن  الأحلام  لا تستخدم الرموز لكل المحتوى الباطن من أفكار الحلم ،  بل فقط  لما  تجده رقابة  الأنا  خطر على الذات ،  ومن ثم  ففي  إطار حديثة  عن أحلام  الأطفال ربطها  ليس  بخبرات لاشعورية منكرة  مكبوتة في حياة  الطفل  ترجع  إلى  ماض سحيق في  تاريخه الشخصي ،  بل  بخبرات اليوم  السابق له .  واعتبر المحتوى  الظاهر لحلم الطفل  مكافئ  لمحتواه  الباطن ..  وهذا  ما اتبعه كذلك  في  تفسير الأحلام  ذات  الطابع  الطفلي لدى  الراشدين  من  قبيل  أحلام  الجوع  والعطش  والسفر والامتحان ..  وكلا  النوعين من الأحلام  لا يمثل خطورة على الأنا خلال النوم ، وبالتالي لا يلجأ إخراج الحلم  إلى استخدام الرموز ، ومن ثم يكون  محتوى  الْحُلم الظاهر  في هذه  النوعية  من  الأحلام  بمثابة تحقيق  سافر صريح  للرغبة  الناشئة خلال النوم .

        وهاهو  فرويد ذاته  يؤكد على أن  محتوى  الحلم  الظاهر  ليس  بالضرورة  أن  يكون له  دلالات جنسية ، حيث يقول  في  ذلك  : ” لاشك  أنكم  سمعتم من قبل  ما يقال  عن  التحليل النفسي من أنه يرى  أن  الأحلام جميعها  تنطوي على دلالة جنسية ، فقد رأيتم  أن هناك  أحلاماً  تقوم على تحقيق الرغبات ،  وتدور على إرضاء الحاجات الأساسية كالجوع والعطش والحاجة إلى الحرية ، كما رأيتم كذلك أحلام الاستسهال ، وأحلام الاستعجال ، وأخرى تشير في صراحة إلى الشره والأنانية ، ومع هذا  يجب أن تذكروا أن نتائج التحليل النفسي قد أسلمت إلى أن الأحلام الشديدة التحريف تكون في الغالب ( ولا أقول على الإطلاق ) تعبيراً  عن رغبات جنسية .

        ومن الدراسات التي  اهتمت  ببحث  الرموز  الجنسية  قام Althouse    بدراسة لفحص  الدلالات  المميزة  للمفاهيم  الرمزية الجنسية  عند كل من  فرويد  و يونج  ، حيث  قام  بإعطاء بعض  المفاهيم  لطلبة  الجامعة من الذكور والإناث  لتصنيفها  في فئتين ،  إما رموز جنسية ذكرية أو رموز جنسية أنثوية  ،  وتبين من النتائج أن  بعض الرموز  قد تم تصنيفها  وفق  نظرية التحليل النفسي ، بينما لم  يتم  تصنيف  بعضها  الآخر  وفقاً  لهذه النظرية  ،  بل أخذت  دلالات جنسية عكسية  ،  مثال ذلك أن بعض المفاهيم  الذكرية ( مثل : مبرد الأظافر ، بالون ، الرأس ، طائر )  تم تصنيفها على أنها  رموز أنثوية  ،  كذلك  فإن بعض  المفاهيم  الأنثوية (  مثل  جحر ( نفق ) ، الباب المسحور ،  صندوق ، أرض ، حوت ، الخشب ، شبكة صيد )  تم تصنيفها على أنها  رموز ذكرية ، وهذه النتيجة تدعونا  أن نكون على حذر في تقبل المحكات التحليلية عن الرموز الجنسية في تحليلنا للمادة الإكلينيكية  .

        ويرى Cracke   أن رموز الأحلام  تختلف دلالتها من مجتمع لآخر ، كما تختلف من حيث  تكرارها وفقاً لدرجة  اعتقاد الناس  في معانيها ، فاعتقاد  ثقافة ما  في أن وقوع المنزل  رمز  يدل  على موت محتمل ، يصبح  هذا الرمز حلماً نمطياً في هذه  الثقافة  . ويقول  النابلسي  في ذلك  :  ” واعلم أن  الْحُلم  الواحد  يختلف  باختلاف  لغتين كالسفرجل  عز  وجمال وراحة  لمن  يعرف  لغة الفرس لأنه بلغتهم  بهاء ، وهو للعرب ولمن عاشرهم دال على السفر  والجلاء لاشتقاقه  .

        ويرى  أحمد  أبو زيد  أن الرمز  يستمد قيمته أو معناه  من الناس الذين يستخدمونه ، أي أن  المجتمع  هو الذي يضفي على  الرمز معناه ، فليس  في الرمز خصائص ذاتية  تحدد  بالضرورة  ذلك المعنى وتفرضه فرضاً  على المجتمع ، وليس  هناك في اللون الأسود مثلاً  ما يجعله  بالضرورة رمزاً  للحداد  ؛ إذ ليس ثمة  ما يمنع  أبداً  من  أن يكون  ذلك  اللون  هو  الأصفر أو  الأخضر  أو  غير ذلك حسبما  يصطلح  عليه المجتمع  .  والصينيون  مثلاً  يتخذون  اللون  الأبيض  رمزاً  للحداد ، فالمجتمع هو الذي يحدد معنى الرمز ، أو هو الذي يضفي على الأشياء المادية معنى  معيناً  فتصبح  رموزاً  . كذلك يشير  أريك  فروم   إلى  أن  دلالة  بعض  الرموز  قد  تختلف باختلاف الحضارات  ، فالشمس كرمز  لها  دلالة  الأمان  والمحبة  والحياة  والدفء  في البلدان الشمالية ، بينما يكون  لها دلالة  الخوف والرهبة والموت في البلدان الاستوائية  . 

        إن الرموز إذن ذات دلالة اجتماعية ، وليس  بالضرورة أن تكون هذه الدلالة جنسية كما عمم  فرويد ، فإذا أخذنا رمز الثعبان ، نجد أن  فرويد  اعتبره رمزاً للقضيب ،  بينما يشير  هامر  Hammer  إلى كون  الثعبان  كرمز  له  معاني  مختلفة  في  الأساطير ،  فالثعابين قد  تكون رمزاً  لكل من : الموت ،  حارس كنز الحياة  ، عالم الغرائز ،  الخطر  ،  الشهوانية ،  المعلومة المحظورة ،  تدمير العالم  ، المرض الجسمي ،  النشاط اللاسوي للاشعور  ،  خلق  أو صنع المعجزة .

        وقد خلص  عادل خضر  في دراسة له عن الرمزية في الأحلام ،  إلى كون رموز الحلم  يتم استيفائها  من  المجتمع ،  ومن  العادات والتقاليد ،  وتضع في  اعتبارها  تراث  الشعوب والحكم والأمثال ،  وحتى تلك  الرموز  الجنسية في  الأحلام   التي قال عنها  فرويد  بأنها  تمثل السواد  الأعظم  من  رموز الحلم  –  هي في النهاية أيضاً  مستقاة  من ثقافة الشعوب ، أي من  المجتمع ، ومن ثم  فإن الرمزية في  الحلم  هي رمزية  اجتماعية  . وإن الحلم هو صورة مختزلة للواقع  أو هو اختزال للعلاقات الاجتماعية  عبر  الرموز ..  وهكذا  فإن  الرمزية في الأحلام  هي وريثة  الحياة الاجتماعية التي  يحياها  الفرد ، فهي  نابعة من عاداتنا وتقاليدنا المتوارثة ،  فالفرد  يكتسب الرمز  ومعناه من أحداث الحياة الاجتماعية التي يحياها والتي يتفاعل فيها مع غيره من الأفراد .. فالرموز  ليست  موروثة  داخل  الفرد ، بل  هي نتاج للتفاعل الاجتماعي . ولذلك  نجد  أن أحلام صغار الأطفال  تكون خالية من  الرموز  ،  لأن قدرة الطفل الصغير على تكوين الرموز  وفهم  معانيها لم تكتمل بعد ، كما  أن عقله  ما زال  قاصراً  عن إدراك  فحش رغباته حتى  يلجأ  عمل  الحلم  لديه إلى الرموز ، أما الراشد فهو على العكس من ذلك  يستخدم الرموز في الحلم  لفهمه معانيها الاجتماعية  ،  وإدراكه  فحش رغباته وضرورة  إشباعها بطريقة اجتماعية وفقاً لتقاليد المجتمع  . وعلى هذا  فإن الأحلام  لا تقتصر في تعبيرها فقط على الدلالات الجنسية  كما يعتقد فرويد ولكنها  أعم  وأشمل من  ذلك لتعبر  عن  الدلالات الاجتماعية ،  وما الدلالات  الجنسية  سوى  أحد  جوانب  الدلالات  الاجتماعية  .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s