الحتمية النفسية واختيار الرموز في الأحلام

يرى فرويد أن الحلم يلعب دوراً هاماً في كونه يجسد تحقيق رغبة مستحيلة في الواقع . ويقوم جزء هام من تكنيك التحليل على فك رموز الحلم كما رواه الحالم لاكتشاف الرغبة التي يحتويها الحلم . وخلال عملية فك الرموز هذه يجب التفرقة بين المحتوى الظاهر والمضمون الكامن للحلم ، فالمضمون الكامن هو الباعث الحقيقي على الحلم ، أي مجموع الميكانيكيات النفسية التي تثيره . وحتى يمكن لهذه الميكانيكيات اللاشعورية أن تفصح عن نفسها في الشعور فإنها تستخدم أفكاراً أخرى وصوراً ورموزاً أخرى تسمح لها بالهروب من قوى الكبت التي تفقد جزءاً من فاعليتها في أثناء النوم . ” فالحلم هو التحقيق المتنكر لرغبة مكبوتة ، وهو التوفيق بين متطلبات ميل ممنوع والمقاومة التي تثيرها الرقابة النابعة من الأنا ” .

ونحن نتساءل الآن : لماذا يتم اختيار رمز معين في الحلم من بين كل الرموز المتاحة والتي تؤدي نفس المعنى ؟ وهل عملية إخراج الحلم تقوم بانتقاء الرموز المدرجة به ؟ . وللإجابة على هذا التساؤل نقول : أنه قد تبين من عرضنا للنماذج السابقة للأحلام في مقالنا السابق وهو بعنوان ” إخراج الحلم والعلاقة بين الرمز والمرموز إليه ” أن الرموز في الحلم إنما هي بديل عن شيء ما أو معنى ما أو علاقة معينة ، وإذا كان الرمز المعين يمكن له أن يؤدي معنى معين أو يعبر عن علاقة معينة خلال الحلم ، فإن هناك عدة رموز أخرى يمكن لها أن تؤدي نفس المعنى أو تعبر عن ذات العلاقة ، إلا أن عمل الحلم يستعين برموز دون غيرها ، وهذا يعني أن اختيار رمز بعينه في حلم بعينه إنما هو اختيار عن قصد لاشعوري ، أي هو اختيار محتوم نفسياً ، ولم يأتي هذا الاختيار جزافاً أو بالصدفة ، ولكنه تحقق وفق مبدأ الحتمية النفسية ، وبالتالي لا يمكن أن يكون غفلاً من المعنى والدلالة .. مما يعني أن العملية النفسية الخاصة بإخراج الحلم لا تستخدم الرموز هباء وكيفا اتفق ، ولكنها توظف الرموز التي تنتقيها بدقة متناهية ، لكي تعبر بها عما سمح لها الرقيب .

ولكن على أي أساس يتم انتقاء رموز الأحلام ؟ للإجابة على ذلك نقرر بأنه من بين كل الرموز التي يمكن أن تؤدى نفس المعنى تقريباً فإن عمل الحلم يميل إلى انتقاء الرموز التي يتوافر فيها – في حدود علمنا – خمسة محكات رئيسية وهي :

أولاً : أن تكون الرموز الحلمية المنتقاة هي الأكثر تمثيلاً للمعنى المحدد أو الأكثر
تعبيراً عن العلاقة المحددة :

إن المتأمل لرموز الحلم يلاحظ عجباً ، ذلك أن عملية إخراج الحلم لا تُضَمِّن الرموز في محتوى الحلم كيفما اتفق ، بل يتم انتقاء الرموز التي تعبر بفصاحة عن المعنى المطلوب ، أو الأكثر تعبيراً عن العلاقة المحددة ، فمن بين جملة الرموز التي يمكن لها أن تعبر عن المعنى ذاته ، يتم اختيار رمز معين يعبر في أفضل وجه عن المعنى المطلوب ، بالقدر الذي يكون منسجماً مع محتوى الحلم الظاهر ، بما يخدم المعنى العام للحلم . وقد يكون صحيحاً أن هناك رموزاً أخرى يمكن لها أن تبين نفس المعنى أو العلاقة المعينة ، غير أنها سوف لا تكون أمينة بالقدر المطلوب في التعبير عنها ، بمعنى أن وجودها ربما يغفل بعض جوانب التعبير المطلوب ، أو بعض جوانب العلاقة ، ومن ثم فلم يتم الاستعانة بها ؛ لأنها لن تعبر بصدق عن المعنى المرموز إليه .. وعلى سبيل المثال إذا رجعنا إلى الحلم رقم ( 1 ) المشار إليه في المقال السابق ، وهو لطالبة جامعية مخطوبة لشاب سيئ السلوك والسمعة ، وأن أهلها وأصدقاءها يطلبون منها أن تنهي هذه الخطبة وتنفصل عن هذا الشاب ، والذي ترويه على الوجه التالي :

” رأيت نفسي وقد ربطت يدي بحبل ، وكل من يرى يدي مربوطة يقول لي فكي هذا الحبل ، فكنت أستعجب لما يقولون ، فأنا وإن كنت أرغب في أن أفك الحبل إلا أنني أود لو ظللت هكذا مقيدة ، فيمر عليَّ آخرون ويقولون لي فكي هذا القيد ، فإذا بي بعد تردد ، أقوم بفك القيد وأنجح في ذلك ، فيقع الحبل على الأرض ثم يتحول الحبل إلى ثعبان ، وآنذاك بدأت أعاني من القلق واستيقظت من النوم ” .

نجد ما يلي : أن الحبل كرمز للربط كان من الممكن أن يستبدل بسلك أو سلسلة أو قيد حديدي ، ما دامت هذه الرموز تؤدي نفس ما يقوم به الحبل من ربط وتقييد ، ولكن إخراج الحلم ترك كل هذه الرموز وجاء بالحبل كرمز تم انتقائه عن قصد .. وإن اختيار الحبل كرمز في هذا الحلم لم يكن اعتباطاً ولكنه اختيار موفق ، ذلك أن الحبل هو وسيلتنا الغالبة في حياتنا الياقظة الذي نستخدمه عندما نرغب في ربط الأشياء . وكذا في توثيق الأيدي .. فالحبل إذن هو ما نستخدمه عادة في الربط والقيد وليس السلك أو الحديد هذا من ناحية .. ومن ناحية أخرى فإنه تم انتقاء الحبل كرمز هنا لأن الحبل يفك ( يحل ) مثل الخطوبة عندما تفك ( تحل ) ، أما القيد الحديدي فيصعب فكه أو حله ( حيث أن الفتاة في الحلم المذكور ترى من يقول لها فكي هذا الحبل ، أي حلي هذه الخطبة وانفصلي عن هذا الخطيب ) . ومن جهة ثالثة فإن الحبل عندما يربط في لين عبر عن الترابط أو الارتباط ، بينما إذا شد الوثاق أصبح قيداً .. ومن جهة رابعة فإنه تم انتقاء الحبل كرمز في هذا الحلم ، باعتبار ما بين رموز الحلم من علاقات تستدعي أن يكون القيد حبلاً وليس شيئاً غيره ، لأنه في تسلسل الحلم سوف يتحول الحبل إلى ثعبان ، ومنطقياً فإن الحبل هو أقرب القيود شكلاً إلى الثعبان ، والمثل يقول ” اللي أتقرص من الثعبان يخاف من الحبل ” . ومن ثم يتضح لنا من ذلك أن الحياة النفسية في الأحـلام لا يغيب عنها المنطق .
ونحن نتساءل كذلك لما تم انتقاء رمز الثعبان دون غيره من الزواحف في هذا الحلم رقم ( 1 ) ، ولماذا لم يتم استبداله بتمساح أو سحلية أو غيرها من الزواحف .. إن ذلك يؤكد لنا بالفعل أن ثمة انتقاء للرموز في الحلم .. فنحن في عرفنا نقول عن الرجل السيئ الذي يغرر بالنساء أنه رجل ( ثعبان ) وهذا هو واقع ذلك الحبيب الذي غرر بكثير من الفتيات ومن بينهن الحالة صاحبة الحلم . ومن هنا كان الرمز معبراً أصدق تعبير عن المعنى السابق . ثم أن سياق الحلم يرينا تحول الحبل إلى ثعبان وهنا نجد أن ثمة تشابهاً كبيراً بين الحبل والثعبان من حيث الشكل العام حتى يكاد المرء منا أن يخلط بينهما أحياناً وخاصة إذا لم تكن الإنارة جيدة .. وعلى هذا فإن انتقاء الرموز في الحلم يتم بعناية فائقة تفوق التصور وتذهل العقل ، فالرموز لا تأتي جزافاً في الحلم ، بل ثمة حتمية نفسية وراء انتقاء الرموز ، فالحلم الذي يتم صياغته في ثوان معدودات ، يحمل بين جوانبه من الرموز ما يستطيع بها أن يعبر بفصاحة لا نظير لها عن ثقافة مجتمع وحضارة أمة .

ثانياً : أن تكون الرموز الحلمية المنتقاة ذات علاقات محددة بباقي محتوى
الحلم وما يتضمنه من رموز وأفكار :

وهنا يرى فرويد : أن الحالم إذا أمكنه الاختيار بين رموز متعددة من أجل تصوير محتوى بعينه ، انتخب هذا الرمز الذي يرتبط من حيث محتواه الموضوعي بسائر أفكار الحلم . ففي الحلم رقم ( 1 ) نلاحظ أن الحبيب رمز إليه بالحبل مرة ، ورمز إليه بثعبان مرة أخرى .. وإذا شئنا دقة أكثر قلنا إن الحبيب رمز إليه بالحبل في البداية ، عندما كان هذا الحبل يشير إلى علاقة الارتباط والخطوبة – وَلِمَا يقال عن ذلك بأنه الرباط الوثيق أو المقدس – ولكن في نهاية الحلم رمز إلى الحبيب بثعبان وذلك بعد الانفصال وفك القيد حيث اتضح الحبيب على حقيقته ، فهو ليس هذا الحبل ( الحبيب ) الذي يرغب في أن يقيم علاقة ارتباط وحب وخطوبة وزواج ودوام المعاشرة ، لا إنه ثعبان ليس له أمان ، إنه يلدغ ويجري ، يعمل على انتهاز الفرص ويأخذ ما يريد من فريسته ثم يلوذ بالفرار .

ثالثاً : أن تكون الرموز الحلمية المنتقاة معبرة عن فكرة الحالم عن الأشياء
كما يتصورها هو :

وفي هذا المعنى يشير عبد المنعم الحفني إلى أن الحلم هو نوع من التفكير ، وأن عملية الحلم هي عملية تفكير بالصور ، وأن الرمز في الحلم لا يشير إلى شيء في الواقع ، وليس بديلاً عن الشيء في الواقع ، ولكنه يشير إلى فكرة الحالم عن الشيء الذي في الواقع ، فمثلاً البندقية قد ترمز لفكرة أو تصور الحالم للقضيب إذا كانت فكرة الحالم عن القضيب أنه خطير خطورة البندقية . ويمكن في نفس الوقت أيضاً أن تكون البندقية رمزاً لفكرة أو معنى في تصور الحالم ليس منها القضيب على الإطلاق ، وإنه لمن الخطأ البين إذن أن نقول في كل مرة يحلم فيها الحالم بالبندقية إن البندقية هي عضو الذكورة عنده .. كذلك لابد أن تكون فكرة الحالم عن الرمز متمشية مع فكرته عن المرموز إليه ، فإذا كان الحالم سيحلم أن أمه كالبقرة ، فلابد أن تكون صورة البقرة في ذهنه متمشية مع صورة أمه في ذهنه ، وسيرى في البقرة وأمه تشابها من حيث إن كلاً منهما حلوب ، وأما إذا كانت صورة البقرة في ذهنه صورة حيوان مفترس فلن يختار البقرة لتصوير أمه في الحلم . وهذا يعني أن الشيء الواحد يمكن أن تكون له صور مختلفة في الذهن بحسب منظورنا لهذا الشيء ، فقد ترى فتاة أن الجمـاع هو وسيلتها للتكاثر والتوالد فتكون صورته عندها هي صـورة حرث الأرض وبذرها ، وقد ترى فتاة أخرى أن الجماع وسيلة بربرية في الحب ، فيها العنف والتعدي على الأنثى ، وعندئذ تأتي صورة الجماع عندها في شكل إطلاق بندقية أو الطعن بالخنجر .

رابعاً : أن تكون الرموز الحلمية المنتقاة هي الأكثر تعبيراً عن وظيفة المرموز
إليه كما يعبر عنها في الواقع الاجتماعي المعاش في حياتنا اليومية :

ففي الحلم رقم ( 2 ) الذي ذكرناه في مقالنا السابق المشار إليه ، والذي هو لمدرس ثانوي كان قد أقام علاقة عاطفية ببنت الجيران ، حيث رأى خلال هذه الفترة الحلم التالي :

” رأيتني وكأنني في محل لبيع أدوات خردوات ، أو كأنه سوبر ماركت مثلاً ، من النوع الذي يدخل فيه الفرد فينتقي ويختار أي شيء يرغبه ثم يحاسب ويدفع الثمن عند الخروج ، واشتريت أشياء كثيرة ، وعند خروجي وجدت أن الفرصة سانحة أمامي لسرقة ” شبشب ” فأخذته وخرجت بالأشياء ، وفي منتصف الطريق وطول هذه المسافة التي قطعتها نحو منزلي وأنا في قلق وصراع وتأنيب لنفسي كيف أسرق هذا ” الشبشب ” ، حتى انتصر شعور التأنيب وعـدت إلى المحــل وتظاهـرت بأنني أســـأل عن شــيء ما وأعدت ” الشبشب ” مكانه وخرجت ” .

نجد التعبير بالمحل كرمز للمنزل أو عنوان السكن ، والمعروف أنه إذا وجد محل وجد البيع والشراء ، فالمحل به في الغالب أشياء ثمينة يتم عرضها للزبائن وبيعها لهم لمن يمتلك المال ، وهذا ربما يدل على التفكير اللاشعوري للحالم ، حيث يرى أن الأشــياء الثمينة بالمحل كالمنزل الذي به فتيات جميلات ( يساوي ثقلهن ذهباً ) ، وهو إذا أراد أن يشتري من المحل لابد أن يكون لديه الرغبة في الشراء والقدرة على الاختيار ، والنقود الكافية لكي يحاسب عند الخروج .. أي أن فكرة هذا المدرس عن الزواج أنه بيع وشراء داخل المنزل ( محل الإقامة ) ، تماماً كما تباع السلع في المحلات ، وبما أنه ليست رغبته موجهة نحو الزواج بل فقط إقامة علاقة عاطفية مع فتاة ، وبما أنه لا يمتلك نفقات الزواج ، فقد اضطر آسفاً إلى سرقة ” الشبشب ” الذي هو رمز للفتاة . وفي حياتنا اليومية نطلق على الشبشب ( زنوبه ) أو ( خدوجه ) وهي أسماء تطلق على بعض الفتيات أيضاً ، والشبشب كذلك من حيث ماهيته هو شيء مجوف يتم إدخال القدم ( رمز ذكري ) فيه ويعلوه كدلالة على الفعل الجنسي ، كما أنه يداس عليه ويحط من شأنه باعتباره شيئاً دنيئاً ، كالفتاة التي تقيم مثل هذه العلاقات .
خامساً : أن تكون الرموز الحلمية المنتقاة هي الأكثر بعداً عن عيون الرقابة :

ذلك أن الرموز في الأحلام إنما تعبر عن المكبوتات التي في اللاشعور ، والتي هي عبارة عن ذكريات وأحداث وأفكار مرفوضة من الأنا الأعلى والواقع الاجتماعي ، والتي تؤدي إلى مشاعر القلق والذنب إذا ما ظهرت على هيئتها ، وبالتالي لابد لها من التخفي .. كذلك الأمر في الأحلام ذات البعد المستقبلي ، فهي تتضمن رموز حتى لا يتعرف الحالم على حقيقتها ، فيزداد قلقه وتوتره ، وأكثر الرموز ظهوراً على مسرح الحلم هي تلك الرموز التي لديها القدرة على التخفي من الرقابة .. أي التي تجهل الرقابة كونها تمثل مشتقات الغريزة أو تمثيلات للمكبوتات وللرغبات المستهجنة ، أو تمثل أحداث مستقبلية محزنة .

ومن الجدير بالذكر أن هذه المحكات الخمسة لا يشترط أن تتحقق جميعها في الرمز كي يتم اختياره ضمن رموز الحلم ، بل يكفي توافر واحد فقط من هذه المحكات في الرمز لكي يكون جديراً بانتقائه ضمن رموز الحلم ، وبالطبع فإنه كلما توافر في الرمز أكثر من محك منها كلما كانت فرصته أكبر من غيره من الرموز المشابهة ، في الاستعانة به ضمن رموز الحلم .

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s